هل يكفي الأسف؟

د.مزمل ابوالقاسم || للعطر افتضاح|

هل يكفي الأسف؟

* جميل أن يبدي رئيس الوزراء معتز موسى أسفه على وقوع قتلى في مسيرات الاحتجاج التي انتظمت البلاد في الأيام السابقة، لكن الأسف وحده لا يكفي، مثلما لا يكفي رجاء عدم تكرار الأمر مستقبلاً، لأنه جلل.
* تضاربت الأرقام حول أعداد القتلى، حيث أكدت وزارة الإعلام أنهم تسعة عشر، بينما تحدثت المعارضة وبعض المنظمات الحقوقية عن زهاء أربعين، وبغض النظر عن العدد فإن مقتل سوداني واحد بغير حق، ينبغي أن يحرِّك كل أصحاب الضمير الحي، ويدفع الحكومة قبل غيرها، لتحديد هوية القاتل، ومطاردته لضبطه وإحضاره إلى العدالة، كي ينال جزاءه العادل.
* لا يكفي أن نتأسف على شبابٍ في عمر الزهور، وأطفال لم يبلغوا الحلم، أُعدموا رمياً بالرصاص في الطرقات بدمٍ بارد، وعلى مرأى من الجميع، ولا يجوز بأي حالٍ من الأحوال أن تضيع حياتهم هدراً دون قصاص.
* ذات السيناريو المؤلم الكئيب حدث في سبتمبر 2013، عندما تنازعت الحكومة والمعارضة على تحديد أعداد القتلى، فتحدثت السلطة عن ثمانين، ونعت المعارضة مائتين أو أكثر، ثم مضت الأيام وتعاقبت الأعوام، من دون أن يتم ضبط القتلة وإحضارهم إلى العدالة، بعد أن اكتفت لجنة الأمن بالبرلمان برمي التهمة على مجهولين، يمتطون سيارات بلا لوحات!
* تكرار الأمر لا يجوز.
* ورواية (المندسين) التي تلوكها الحكومة صباح مساء لا تصلح لتعليل القتل، وتبرير إراقة دماء السودانيين، لأنها تبدو أسوأ وأضعف من الرواية الرسمية السعودية لمقتل الصحافي جمال خاشقجي، داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.
* لم يصدقها أحد، لأنها جافت المنطق السليم، وافتقرت إلى الحُجةً المقنعة، والدليل الدامغ.
* الاحتجاجات الأخيرة شهدت متغيراتٍ لم يضعها من يلوكون (لُبانة) المندسين في حساباتهم، لأن المتظاهرين حرصوا على توثيق عمليات إطلاق الرصاص عليهم بالصورة والصوت، وحملت فيديوهاتهم مشاهد مثيرة وخطيرة لمجهولين، يرتدون أزياء القوات النظامية، ويحملون بنادق آلية، ويطلقون النار منها بكثافةٍ مرعبة، واستهتارٍ مقيت بحياة الناس.
* حدث ذلك في قلب الخرطوم العاصمة، وعلى مرأى من الشرطة وقوات الأمن، ومع ذلك لم يتم إلقاء القبض على أولئك (المندسين)، الذين استحلوا دماء الناس بلا وازعٍ من الدين والأخلاق والضمير الإنساني الحي، الذي يرفض قتل الناس، وحتى ترويعهم.
* الأكثر إثارةٍ للأسف أن الجهات المعنية بحماية المواطنين، وحفظ أمنهم، وحراسة حقوقهم القانونية والدستورية ظلت في سُباتٍ تام، ولم تتحرك حتى اللحظة لإجراء أي تحقيق جاد وشفاف لتحديد هوية أولئك المجرمين.
* لا وزارة العدل، لا النائب العام، لا المفوضية القومية لحقوق الإنسان، لا البرلمان، ولا أي جهة حكومية حركتها الدماء التي أُريقت، والأرواح البريئة التي أُزهقت في الطرقات، مثلما أخفقت الشرطة وجهاز الأمن في ضبط أي واحد ممن أشهروا أسلحتهم في الشوارع، وقتلوا وأصابوا المتظاهرين العُزَّل، برغم التزامهم التام بالتظاهر السلمي، في العاصمة على أقل تقدير.
* التجاوزات امتدت لتشمل ضرب المتظاهرين بقسوة وعنف، وتوجيه إساءات مقذعة لهم، مثلما حدث للزميل الصحافي ياسر عبد الله، الذي تعرض لضربٍ مبرح، واتهم من اعتقلوه وعذبوه بالإساءة له ولعقيدته، وسب والدته، وإراقة دمه.
* قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثِّيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وقال: (أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا)، وقال المولى عز وجل في محكم تنزيله: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ).
* الاستهانة بالدماء ستجلب المزيد من سفك الدماء، والتعايش مع القتل كحدثٍ عادي سيجعله يتفشى، وينتشر أكثر، وإهمال مطاردة القتلة، وترك القصاص يعني هدر الحياة، مصداقاً لقوله تعالى (ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب)، كما أن السماح بتكرار الأمر سيقضي على أهم وأفضل ميزة تمتع بها السودانيون على مر العصور، وهي ميزة التآخي والتسامح، لتحل مكانها الأحقاد والغبائن والرغبة في الانتقام.
* نختم بقوله جل وعلا: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) صدق الله العظيم.
د. مزمل أبو القاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

صحيفة لحظة الالكترونية

مجانى
عرض